خسائر إيران الشهرية 13 مليار دولار.. إغلاق وحصار «هرمز» يهز اقتصاد العالم

في ظل تعثر المفاوضات السياسية بين الولايات المتحدة وإيران، تتزايد أعداد ناقلات النفط العملاقة المتوقفة قرب مضيق هرمز في انتظار أي تطور قد يفتح الطريق أمام انفراجة في الملف. وهذا المشهد يضع الاقتصاد العالمي أمام ضغوط متصاعدة تمتد من طهران إلى بكين وطوكيو، وتصل آثارها إلى دول الخليج وأوروبا، خاصة أن الممر البحري يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، وبالتالي، فاستمرار إغلاق وحصار المضيق سيؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة، وينعكس على حركة الاقتصاد الدولي، ويزيد من حدة التوتر المالي عالميًّا.

ومع بداية تحرك محدود في المسار الدبلوماسي بعد فترة من التوقف، وصلت وفود عدة إلى العاصمة الباكستانية، إسلام آباد، منذ مساء الجمعة تمهيدًا لاحتمال عقد لقاءات مباشرة أو غير مباشرة لاحقا، وسط توقعات حذرة بإمكانية تحقيق تقدم، رغم بقاء نقاط الخلاف دون تغيير، وهو ما يثير مخاوف من عودة الجمود أو انزلاق الوضع نحو تصعيد ميداني ينعكس على أمن المنطقة واستقرارها، وفي ظل متابعة دولية مشدودة لما ستسفر عنه المحادثات الجارية، تتكدس ناقلات النفط في مياه الخليج في انتظار انفراجة تسمح باستئناف الحركة الطبيعية عبر المضيق.

رغم تقاطع حدود إيران البرية مع 7 دول (العراق وتركيا وأفغانستان وباكستان وأذربيجان وأرمينيا وتركمانستان)، إضافة إلى حدود بحرية مع بحر قزوين شمالًا والخليج العربي غربًا وبحر عمان جنوبًا، فإن الضغط الأشد على اقتصادها يأتي من تقييد الممرات البحرية، خاصة أن الجزء الأكبر من صادرات النفط، والغاز يعتمد على الخليج العربي.

ومع الإغلاق القسري لموانئها على الخليج والمحيط الهندي، تواجه طهران خسائر يومية كبيرة، إذ تُقدَّر التقديرات الاقتصادية الصادرة في أبريل 2026 حجم الفاقد بنحو 435 مليون دولار يوميًا نتيجة تعطّل النشاط التجاري، وتنعكس الأزمة بوضوح على البنية النفطية، حيث تسببت الضربات التي طالت جزيرة «خرج» في شلل يقارب 90% من تصدير النفط الخام، ما يعني خسائر يومية تصل إلى 140 مليون دولار في الموازنة العامة، بينما يضيف توقف ميناء «عسلوية» المخصص للبتروكيماويات نحو 50 مليون دولار يوميًا إلى إجمالي الخسائر، لتصل الفاتورة الشهرية إلى نحو 13 مليار دولار.

ولا يقتصر التأثير على الطاقة، إذ تشير البيانات إلى تراجع حاد في واردات السلع الأساسية التي تبلغ قيمتها نحو 159 مليون دولار يوميًا، ما أدى إلى ارتفاعات كبيرة في الأسعار، أبرزها تضاعف سعر الأرز بنحو 7 أضعاف، مع تحذيرات متزايدة من دخول العملة المحلية في مرحلة تضخم حاد نتيجة توقف تدفقات النقد الأجنبي، خصوصًا بعد تعطل «أسطول الظل» الذي كان يمرر النفط إلى بعض الأسواق الآسيوية، إلى جانب صعوبة استيراد القمح من روسيا والأرز من الهند، وهما من السلع الأساسية في السوق الإيراني.

تُعد دول الخليج من أبرز الأطراف المتأثرة بالحصار الأمريكي الحالي، إذ يأتي ذلك في وقت ترفض فيه إيران فتح مضيق هرمز أمام الحركة التجارية العالمية بينما تواجه موانئها بدورها حالة من الإغلاق والضغط. ورغم أن الإجراءات الأمريكية تستهدف بالأساس الموانئ الإيرانية، فإن آثارها امتدت إلى الضفة الغربية من الخليج التي تضم الدول الخليجية الست، والتي بدأت تشهد اضطرابًا في سلاسل الإمداد، خاصة أنها تعتمد على استيراد نحو 80% من احتياجاتها التموينية والغذائية، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ تموينية في عدد من القطاعات الحيوية. وتنعكس هذه التطورات مباشرة على الأسواق الداخلية، حيث سجلت أسعار التجزئة في العواصم الخليجية ارتفاعات تراوحت ما بين 40% و120% في بعض السلع الأساسية. ورغم متانة الاقتصاد الخليجي وقدرته المالية، فإن تأثيرات التوترات الحالية امتدت إلى البنية التشغيلية لقطاع الطاقة، إذ تواجه المنشآت النفطية تحديات في استعادة كفاءتها الكاملة خلال فترة قد تمتد لعدة أشهر، وربما يتجاوز تأهيل بعض الحقول النفطية مدة العام، ونصف العام. ومع ذلك، تحتفظ دول الخليج بقدرات مالية كبيرة مدعومة بصناديق سيادية قوية تتيح لها التعامل مع الضغوط القائمة، إلى جانب امتلاكها بنية تحتية أساسية تساعدها على التعافي تدريجيًا مع تحسن الظروف.

أدى إغلاق مضيق هرمز، وتصاعد الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران إلى زيادة حادة في الضغوط الاقتصادية على دول أوروبا، التي كانت قد خرجت أصلًا من موجات متتابعة من الأزمات منذ جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى تداعيات حرب غزة، وما رافقها من إغلاق جزئي لمضيق باب المندب. ومع توقف صادرات النفط الخليجي، تضررت سلاسل الإمداد الأوروبية بشكل مباشر، وارتفعت تكاليف الطاقة عالميًا بصورة انعكست على الصناعة والنقل داخل القارة.

وتشير تقديرات مفوض الاتحاد الأوروبي للطاقة «دان يورجنسن» إلى أن إغلاق المضيق والحصار المرتبط به كلّف الميزانية الأوروبية نحو 24 مليار يورو إضافية منذ بداية الأزمة، بمعدل خسارة يقارب 500 مليون يورو يوميًا. كما واجهت أوروبا ضغوطًا إضافية نتيجة ارتفاع أسعار الغاز، رغم أنها تستورد نحو 10% فقط من احتياجاتها من دول الخليج، إلا أن التنافس العالمي على الكميات المتاحة في أسواق بديلة دفع الأسعار إلى مستويات قياسية.

ومن أبرز تداعيات الأزمة ما يُعرف بـ«أزمة وقود الطائرات»، التي انعكست بشكل مباشر على قطاع الطيران والشحن الجوي، حيث تعتمد أوروبا على الشرق الأوسط لتأمين نحو 75% من وقود الطائرات. هذا النقص دفع شركات طيران كبرى مثل «لوفتهانزا» إلى التحذير من نفاد المخزون خلال أيام أو أسابيع قليلة، ما أدى إلى بدء شركات الطيران في جدولة وإلغاء آلاف الرحلات الجوية، مع تقديرات بوصول الإلغاءات إلى نحو 200 ألف رحلة محتملة نتيجة نقص الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل.

أفرزت أزمة الطاقة الحالية تداعيات اقتصادية وصناعية واسعة داخل أوروبا، إذ حذّر البنك المركزي الأوروبي من احتمال دخول دول منطقة اليورو في حالة «ركود تضخمي»، نتيجة تزامن ضعف معدلات النمو مع ارتفاع التضخم الناتج عن صدمة أسعار الطاقة. كما تعرضت الصناعات الثقيلة لضغوط كبيرة، حيث لجأت شركات الصلب والكيماويات في ألمانيا وفرنسا إلى فرض زيادات سعرية تصل إلى 30% لتعويض ارتفاع تكاليف الكهرباء والمواد الخام، وهو ما يهدد استمرارية بعض خطوط الإنتاج وإمكانية توقف أجزاء من النشاط الصناعي بشكل دائم في حال استمرار الأزمة.

ولم يقتصر الأثر على قطاع الطاقة، إذ يُعد مضيق هرمز ممرًا مهمًا لمرور السلع التجارية والغذائية القادمة من آسيا إلى أوروبا، وقد أدى تعطل حركة الملاحة فيه إلى تأخير وصول الشحنات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين بنسب تتراوح بين 50% و100%، ما زاد من الضغوط على الأسواق الأوروبية ورفع أسعار السلع الأساسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *