كيف نعيش مع جراح من هم أحياء بيننا؟ 

نشر بواسطه/ هيام سلوم

هل نستطيع أن نستمر وقلوبنا تحمل سهاماً من الماضي لم تُنزع بعد؟ 

إنه تحدّي الغفران، ليس مجرد كلمة نرددها، ولا فضيلة نتظاهر بها، بل هو قرار من أعمق قرارات الوعي الإنساني، قرار بهدم السجن الذي بنيناه حول قلوبنا من أحزان وآلام، وإطلاق سراح السجين الأول الذي بداخله،كيف نستطيع أن نفتح قلوبنا لمن مزقوها، لنكتشف في النهاية الحرية الحقيقية التي لا تأتي إلا من خلال قرار جريء وهو المسامحة.

في سكون الليالي، حين ينام العالم ويبقى صوت الضمير مستيقظاً، تجري في دهاليز النفس محاكمات لا يرأسها قاضٍ سوى الذات نفسها. تتهم، تدافع، تصرخ، ثم تصدر أحكاماً قاسية: “لو لم أفعل ذلك لكان كل شيء مختلفاً، لو كنت أكثر حزماً لَمَا خُنت، لو كنت أقل طيبة لما استغِللت، أنا السبب ،أنا المخطئة، أنا المستحقة لهذا العذاب.”

هذه المحكمة الداخلية هي أقسى محكمة على الأرض، لأن القاضي والمتهم والمحامي والسجان هم شخص واحد، ومسامحة النفس ليست هدية تقدمها لنفسك في عيد ميلاد، بل هي قرار إنقاذ من حكم الإعدام الذي أصدرته على ذاتك ،إنها الاعتراف بأنك بشر، والبشر خطاؤون، وأن كل خطأ هو فصل من فصول قصة حياتك، وليس القصة كلها.

لا تعاقب نفسك على خطأ الماضي، فالعقاب لن يعيد الزمن إلى الوراء أو سيشفي الجرح ،بالعكس العقاب يزيد الجرح عمقاً، في القلب.

الأخطاء و التجارب القاسية تصنع منا إناساً أكثر صلابة، فمسامحة النفس على خطأ ما ضروري لأن الاستمرار في جلد الذات هو عقاب مزدوج، لنا وللآخر ،لأننا نعتقد أننا نملك سلطة مطلقة على مصائرنا ومصير من حولنا، نتوهم أننا كنا سنسيطر على كل العوامل لو أعدنا الكرة ،ننسى أن الحياة معادلة معقدة، فيها مجهولات لا تحصى، وفيها حرية إرادة الآخرين، وفيها قضاء وقدر، مسامحة النفس تعني الاعتراف بحدود قوتنا، وبإنسانيتنا الهشة.

وهي الأصعب أيضاً لأننا نخشى أن نكون “متساهلين” مع أنفسنا، فيكرر أخطاءه، لكن الفرق بين التساهل والمسامحة هو الفرق بين التكرار والتعلم ،التساهل هو تجاهل الخطأ ،المسامحة والغفران هو الاعتراف به، واستخلاص الحكمة منه، ثم المضي قدماً دون حمل ثقل الخطأ.

 

الغفران

هو فعل كتابة تاريخك الداخلي من جديد، أنت لا تمحو الصفحات السوداء، بل تضيف هامشاً عليها ،تكتب في الهامش “هنا تألمت، هنا انكسرت، ولكن من هذا الألم تعلمت، وهذا الشخص الذي سبب الألم، كان أداة في رحلتي، ربما دون قصد، أنا أختار الآن أن أتحرر من سلتطه أختار أن أسرد القصة ليس كضحية، بل كناجية.”

أن تصبح ذاكرتك خادمة لحكمتك، لا سجانة لقلبك،

عليك أن تفهم أنك حين تسامح، فأنت لا تقدم هدية لمن آذاك، بل أنت تقدم لنفسك أعظم هدية ،الحرية، حرية من سجن الذكريات المؤلمة، حرية من استنزاف الطاقة العاطفية في الكراهية، حرية من تحكم الماضي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *