هل يشير إعادة تموضع القوات الأمريكية في الشرق الأوسط إلى استعداد حقيقي لتصعيد محتمل مع إيران، أم أنها خطوة دفاعية لإدارة المخاطر؟ كيف يمكن لإخلاء بعض القواعد أن يقلل التعرض للتهديدات، وفي الوقت نفسه يحافظ على القدرة العملياتية؟ هل تضمن قواعد العديد ودييغو جارسيا استمرار القدرة على الاستطلاع والضربات الدقيقة، بينما يتحرك الأسطول الخامس بعيدًا عن الموانئ لتجنب الاستهداف المباشر؟.
ثم، ما دلالة توقف تحميل ناقلات النفط على الاقتصاد والأمن الإقليميين؟ هل تكفي هذه التحركات العسكرية لحماية الأصول الحيوية والحفاظ على الردع وتجنب الانزلاق إلى صراع شامل، أم أن التوازن بين الحذر والحزم يعكس إدارة أزمات متعددة المستويات بعيدة عن المواجهة المباشرة، التي تبدو متأرجحة بين الاستعداد للردع والقلق من حرب مفتوحة غير مأمونة العواقب؟
تشير التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط إلى تصعيد محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، مع ظهور صور الأقمار الصناعية التي تكشف عن إخلاء جزئي لقواعد إقليمية تابعة للجيش الأمريكي.
التحركات تظهر تقييم القيادة الأمريكية للوضع، حيث يجمع القرار بين الحذر العسكري واستراتيجية الردع، مع الحفاظ على القدرة على الاستجابة السريعة لأي تهديد محتمل.
إخلاء قواعد أمريكية «أو على الأقل الاحتفاظ بالحد الأدنى من الطائرات القتالية والاستطلاعية»، يتيح مرونة تشغيلية وينبه في الوقت نفسه حساسية الموقف.
عسكريًا، يظهر الإخلاء ضرورة إعادة تموضع القوات بعيدًا عن أهداف محتملة، مع الحفاظ على القدرة على الاستجابة السريعة، وهو ما أراه مؤشرًا على إدارة المخاطر الاستراتيجية أكثر من كونه خطوة هجومية مباشرة.
وجود 4 طائرات تزويد بالوقود، فقط، في قاعدة «العديد» القطرية يعني تقليص القدرة التشغيلية على القتال المباشر. خطوة تشير إلى استراتيجية دفاعية مؤقتة، مع الاحتفاظ بخطوط دعم للطائرات البعيدة المدى. في تصوري، محاولة أمريكية لتقليل الأهداف الثابتة أمام خصم متوقع، وإرسال رسالة لإيران بأن القوات الأمريكية لن تكون عرضة لهجمات ميسرة على الأرض، بينما تستمر عمليات الاستخبارات والمراقبة.
تواجد مقاتلتين «F-16» وطائرات استطلاع ونقل يظهر تركيزًا على الاحتفاظ بالقدرة على ضربات دقيقة واستطلاع مستمر، يوفر ذلك قدرة هجومية محدودة مع مرونة استراتيجية. سياسيًا، يمكننا فهم ذلك كإشارة إلى الحذر الأمريكي، مع الحفاظ على ردع محدود دون التصعيد الكامل، ويمثل أيضًا رسالة للحلفاء بعدم التخلي عن التزاماتهم الدفاعية في المنطقة.
إخلاء سفن من ميناء الأسطول الخامس في البحرين وتحركها نحو عرض البحر يقلل من خطر استهدافها بصواريخ أو طائرات مسيرة. يعزز ذلك المرونة ويتيح إعادة انتشار سريع لأي عمليات بحرية أو هجومية، لكنه يوضح سياسيًا درجة عالية من التوتر، ويخلق انطباعًا إقليميًا بأن الولايات المتحدة تتوقع سيناريو تصعيد محتمل، بهدف التأثير على حسابات إيران وحلفائها في المنطقة.
وقف تحميل ناقلات «نفط» يوضح تأثير التوتر العسكري على الاقتصاد الإقليمي. عسكريًا، يقلل من فرص تعرض المنشآت النفطية لهجمات، ويعطي الولايات المتحدة هامشًا لفرض حماية بحرية على خطوط الإمداد، لكنه على المستوى السياسي يحاول توصيل رسالة مهمة مفادها، كما أرى، أن أي تصعيد عسكري محتمل سيكون له تداعيات اقتصادية مباشرة، ويجعل الأأطراف الإقليمية أكثر حذرًا في خطواتها.
الاحتفاظ بطائرات استطلاع في القواعد الرئيسية يضمن استمرار جمع المعلومات الاستخباراتية، هذا يعزز قدرة القيادة على اتخاذ قرارات دقيقة في حال حدوث أي تصعيد الحفاظ على الطائرات الاستطلاعية يرسل رسالة مزدوجة: أولًا، استعداد للرد العسكري، وثانيًا، متابعة دقيقة لحركة القوات الإيرانية، ما يظهر مزيجًا من الردع والمراقبة المستمرة قبل أي اشتباك محتمل.
إعادة تموضع القوات وإخلاء القواعد يعكس نهجًا تكتيكيًا مرنًا، يتيح تنفيذ عمليات هجومية دقيقة مع الحد من الخسائر المحتملة. وزارة الدفاع الأمريكية ترى في هذه الخطوة تقليل التعرض المباشر للتهديدات، مع الحفاظ على القدرة على الردع، التوازن بين الحذر والحزم يؤكد استعداد الولايات المتحدة لإدارة الأزمة دون الانزلاق إلى حرب واسعة النطاق.
التحركات تؤثر على حسابات حلفاء الولايات المتحدة، خاصة في منطقة الخليج، الهدف جعلهم يستشعرون جدية الاستعداد للتصعيد، وتحفيزهم على تعزيز إجراءات الدفاع المشترك. رسالة أخرى تريد إدارة الرئيس، دونالد ترامب، تسويقها إقليميًا، مفادها، من وجهة نظري «نحن نتصرف بحزم»، لكنها تعتمد على التعاون الإقليمي لتخفيف التوتر، ما يشير بطريقة غير مباشرة إلى أن سياسة الردع المراد تصديرها تشمل كل المستويات، لاسيما القوة العسكرية والدبلوماسية.
وعليه، فإن الإخلاء الجزئي يعكس نهجًا أمريكيًا لإدارة الأزمات، يسمح بالتحرك السريع مع الحد من المخاطر على الجنود والمعدات، يشير إلى فهم عميق للطبيعة الإقليمية غير المتوقعة للتصعيد مع إيران.
هذا النهج يرسخ صورة واشنطن كطرف مسؤول يحاول تجنب المواجهة المباشرة مع ضمان القدرة على الدفاع عن مصالحه الحيوية في المنطقة، بما في ذلك خطوط الملاحة والطاقة.
إذا استمر التصعيد، سيكون هناك احتمال لتحركات إضافية للقوات الأمريكية نحو البحر الأحمر أو الخليج العربي، وربما تعزيز القدرات الجوية والبحرية. أي خطوة محسوبة يجب أن تراعي التوازن بين الردع الإيراني وضمان عدم إشعال حرب شاملة، الهدف الاستراتيجي في كل التحركات يبقى الحفاظ على الردع، حماية الأصول الحيوية، وتجنب أي انزلاق غير محسوب إلى صراع مفتوح.

