نكبر بما نخسره..نجلس أحياناً مع أنفسنا في آخر الليل.. لا نبحث عن إجابات ولا ننتظر عزاء. فقط نجلس لنسأل سؤالاً واحداً يتكرر كل مرة:

كيف تغيرنا؟ ومتى بالضبط؟

كيف تحولت ملامحنا من البراءة إلى هذا الهدوء الثقيل؟ وكيف تبدلت نظرتنا للحياة دون أن نشعر؟ دون ضجيج ودون إنذار مسبق.

في الماضي كنا نمنح كل شيء حباً مبالغاً فيه. كنا نضحك من القلب، ونبكي من القلب، ونحب بكل ما فينا. كانت الأشياء الصغيرة تكفينا: رسالة، مكالمة، وردة، كلمة “أنا معك”.

أما اليوم؟ لم تعد الأشياء التي أحببناها تعني لنا الكثير. لم نعد نمنحها نفس الحب، ولا نفس الشغف. ليس لأننا قساة.. ولكن لأننا تعبنا.

تعبنا من أن نعطي ولا نأخذ. تعبنا من أن نكون متاحين للجميع بينما نحن نحتاج لمن يكون لنا.

لم نعد نهتم بمن هجر. ولا نلتفت لمن خذل. صار الأهم هو شيء واحد فقط: *أن نشعر بالراحة ولو قليلاً*.

كم مرة كُسرنا وصمدنا؟ كم مرة وقعنا وقمنا وحدنا دون يد تمتد إلينا؟

كل الأوجاع التي أخفيناها خلف ابتسامة باهتة. كل الليالي التي بكينا فيها في صمت حتى لا يسمعنا أحد. كل الخذلان الذي ابتلعناه وقلنا “عادي.. مشكلة”.

نحن لا نكبر بالسنين فقط.

نحن نكبر بما نخسره في دواخلنا

نكبر بكل صديق رحل. بكل حلم تأجل. بكل شخص راهنا عليه وخسرنا الرهان. نكبر بكل مرة قلنا فيها “أنا بخير” بينما كنا ننهار من الداخل.

ومع ذلك ننجو.

ننجو من كل شيء كاد أن يكسرنا. ننجو من الذكريات، من العتاب، من الانتظار. ننجو لأننا لا نملك رفاهية السقوط.

وحينها فقط نبتسم.

ابتسامة حقيقية؟ ربما لا. ابتسامة ناضجة.. ابتسامة شخص فهم اللعبة. فهم أن الحياة لا تعطي كل شيء، وأن الرضا أحياناً هو أن تخسر ولا تنكسر.

في جوانا جروح عميقة. جروح لا يراها أحد. جروح لا نعرضها على أحد.

لكن هذه الجروح لم تجعلنا ننظر إلى الماضي بحسرة. بالعكس.. جعلتنا ننظر للأمام بحذر.

تعلمنا أن لا نعلق سعادتنا على أحد. تعلمنا أن الوحدة أرحم أحياناً من وجود مؤذي. تعلمنا أن الصمت أبلغ من ألف عتاب.

صرنا نختار أنفسنا أولاً. صرنا نعتذر عن الخروجات التي ترهقنا. عن العلاقات التي تستنزفنا. عن الكلام الذي لا فائدة منه.

صرنا نحب الهدوء. نحب بيتنا. نحب فنجان قهوة نشربه بمزاج دون استعجال.

هل هذا نضج؟ أم استسلام؟

لا أدري. كل ما أعرفه أننا تغيرنا.. وربما هذا التغيير هو الطريقة الوحيدة التي أنقذتنا.

فإذا رأيتني هادئة لا تسألني “ما بكِ؟”

وإذا رأيتني أضحك لا تظن أني نسيت.

وإذا رأيتني لا أهتم.. فاعلم أني اهتممت كثيراً من قبل، ودفعت الثمن غالياً.

حين نبتسم وفي دواخلنا جروح لا تنتهي

نحن لسنا أقسى. نحن فقط تعلمنا.

تعلمنا أن نحمي قلوبنا بأنفسنا. وأن نكون السند لأنفسنا. وأن نبتسم حتى وإن كانت في جوانا جروح عميقة.

الحياة لا تعود كما كانت. ونحن لا نعود كما كنا.

وهذا ليس حزناً.. هذا اسمه أن نكبر.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *