نشر بواسطه سمير باكير
من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي الخامس والعشرين من أيلول 2026، أُلقيت كلمة رسمية كان يُفترض أن تكون صوت لبنان الجريح، ومرآة دمه وأطلاله، وصرخة جنوبه المدمّر. لكنها جاءت، كما تقول أوسع الانتقادات، كلامًا منفصلًا عن الواقع، يلامس الإقليم ويطوف على العواصم، ويتضامن مع هذا المحور أو ذاك، بينما يتجاوز الأزمة الحقيقية: العدوان الإسرائيلي المستمر على الأرض اللبنانية، والاحتلال، والتدمير، والقتل اليومي. والأخطر من ذلك، أنها أسقطت من ذاكرتها الشهداء والجرحى، فلم تسمّهم، ولم تحمل صورهم، ولم تذكر عددهم، كأن لبنان بلا ضحايا، وكأن الدم اللبناني لا يستحق فقرة واحدة في خطاب دولي.
لقد كان المطلوب من أي مسؤول أن يقف في نيويورك لا ليتسوّل التعاطف، بل ليواجه الجريمة بوثائقها، ويسمّيها بأسمائها، ويطالب العالم بمساءلة مرتكبيها. فحين اعترف مجرم الحرب بنفسه، من داخل أروقة الأمم المتحدة، بجريمة تفجير أجهزة الاتصال، كان ذلك لحظة نادرة: اعتراف علني يمكن أن يتحول إلى ساحة محاكمة سياسية وأخلاقية، وإلى فرصة لبناء أوسع جبهة دولية ضد الإفلات من العقاب. لكن الخطاب الرسمي مرّ على المشهد مرور الكرام، ولم يستثمر الاعتراف، ولم يقدّم الأدلة، ولم يطالب بتحقيق دولي، ولم يرفع صوت لبنان في وجه جلاده.
والأسوأ أن الكلمة تحدثت عن كل شيء إلا لبنان. نددت واستنكرت وأدانت ما يجري في الإقليم، لكنها لم تجد في جرائم إسرائيل ما يستدعي تسمية الجرائم بأسمائها. لم تذكر آلاف الأطفال والنساء الذين قُتلوا، ولا الإبادة العمرانية التي حوّلت القرى إلى ركام، ولا العقاب الجماعي المفروض على الجنوب، ولا الاعتداءات المتواصلة على السيادة. وكأن لبنان ليس جزءًا من الإقليم، وكأن شعبه ليس شعبًا يستحق أن يُرى.
لقد ذهب الوفد إلى هناك كالعادة: ليبكي، أو ليتوسل، أو ليقدّم الطاعة، بينما الاتفاق الإطاري لم تُنفّذ حروفه، وبينما الجريمة مستمرة. والأغرب أن خطاب العدو، رغم وحشيته، بدا لبعض اللبنانيين أخفّ وطأة من خطاب رسمي تخلى عن شعبه. فكيف لمسؤول أن يقف أمام العالم ويطلب الشرعية الدولية، ثم يغفل الشهداء، ويستبدل التضامن مع أبناء بلده بتضامن مع عواصم بعيدة؟ وكيف يُقبل أن يكون الخطاب مطية لإرضاء الأسياد، وضربة لقوة لبنان، وغطاء لاستمرار سلطة مخزية؟
ما جرى لم يكن مجرد خطأ في خطاب، بل انفصال عن الجرح، وجبن عن المواجهة، وتغييب متعمد للحقيقة. فالشعب الذي قُصف قسم منه، ودُمّرت بيوته، وقُتل أطفاله، لا يطلب خطابات دبلوماسية باردة، ولا مجاملة للخارج، بل يطلب من يمثله أن يحمل صور ضحاياه، وأن يسمّي القاتل، وأن يدين، وأن يقاوم بالكلمة قبل أي شيء. أما من يتحدث عن كل شيء إلا لبنان، فليس جديرًا بأن يكون صوت لبنان. وعندما يغيب الشهداء عن المنصة، يحضر الخزي وحده.

