لم تكن الأسئلة التي طرحت في المؤتمر الصحفي لتدشين مؤتمر الأمن السيبراني «caisec ’26» في دورتة الخامسة مجرد استفسارات تقنية عابرة، بل لامست جوهر الأمن القومي حينما فتح الزميل محمد لطفي رئيس شعبة الاتصالات بنقابة الصحفيين ملف «السيادة الرقمية»، وهو الملف الذي استدعى ردوداً حاسمة وموسعة من الخبراء المعتلين للمنصة، كاشفين عن رؤية مصرية واضحة لامتلاك زمام المبادرة في الفضاء الإلكتروني.
وبدأ النقاش بتعريف الخبراء لمفهوم السيادة الرقمية باعتباره حجر الزاوية في استقلال الدول المعاصر، مؤكدين أنها تعني قدرة الدولة على بسط نفوذها الفني والقانوني على بيانات مواطنيها وبنيتها التحتية، بعيداً عن هيمنة الشركات العابرة للحدود.
وأوضح الخبراء أن هذا المفهوم يتجاوز مجرد تأمين الشبكات، ليصل إلى ضمان تخزين البيانات السيادية داخل الحدود الجغرافية، والتحكم الكامل في البرمجيات التي تدير المرافق الحيوية للدولة.
وفي معرض إجاباتهم على تساؤل حول مدى جاهزية مصر، شدد المتحدثون على أن الدولة تمتلك بالفعل ركائز صلبة، يأتي على رأسها مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية الذي يمثل نقلة تاريخية في توطين البيانات.
كما أشاروا إلى الميزة الجيوسياسية التي تمنحها الكابلات البحرية المارة عبر الأراضي المصرية، إلى جانب الحصانة التشريعية التي وفرها قانون حماية البيانات الشخصية، والجهود الاستباقية التي يقوم بها المركز الوطني للاستعداد لطوارئ الحاسبات والشبكات.
ومع ذلك، لم تخلُ إجابات الخبراء من المصارحة حول التحديات القائمة، حيث أقروا بأن تحقيق السيادة الكاملة يتطلب معالجة الفجوة في الاعتماد على البرمجيات العالمية المستوردة، والتي تسيطر حالياً على حصة كبرى من الأنظمة المحلية.
كما لفتوا الانتباه إلى ضرورة خلق بيئة جاذبة للحفاظ على العقول والكوادر المصرية المتخصصة في الأمن السيبراني ومنع هجرتها، بالإضافة إلى الحاجة الملحة لتطوير ملكية فكرية مصرية في مجال البرمجيات لتقليل التبعية للخارج.
واختتم الخبراء ردودهم في المؤتمر الصحفي برسم خارطة طريق للمستقبل، ترتكز على التوسع في استخدام السحابة الخاصة لتأمين بيانات القطاعات الحيوية مثل البنوك والصحة، وتشجيع التحول نحو البرمجيات مفتوحة المصدر لكسر الاحتكار التكنولوجي.
كما دعوا إلى بناء تحالفات رقمية إقليمية قوية تمنح مصر والمنطقة ثقلاً تفاوضياً أمام عمالقة التكنولوجيا في العالم، مؤكدين أن السيادة الرقمية هي معركة استقلال مستمرة لا تقبل التهاون.

