النفط يستفيد من ارتفاع المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بإيران وتوقف إمدادات كازاخستان

 

شهدت أسعار النفط بداية قوية في 2026، إذ أنهى خام برنت شهر يناير مرتفعًا بأكثر من 16% مسجلًا أعلى مستوى له في ستة أشهر عند 70.7 دولار للبرميل، بدعم من تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

وأدت بؤر التوتر في إيران وفنزويلا وحتى جرينلاند إلى رفع علاوة المخاطر في الأسواق، بالتزامن مع خسائر كبيرة في الإمدادات من كازاخستان والتي تعود جزئياً إلى تداعيات الصراع الروسي- الأوكراني، إضافة إلى تأثير ضعف الدولار.

 

مع ذلك، بدأت الأسعار تتراجع في منتصف فبراير الجاري، إذ سجل برنت أول خسارة لأسبوعين متتاليين هذا العام متجهاً إلى نحو 68 دولارا للبرميل مع بدء الولايات المتحدة وإيران مفاوضات لكسر الجمود، وهي مفاوضات وصفها الرئيس الإيراني بزشكيان بأنها «خطوة إلى الأمام»، بينما يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستعداً لإعطائها فرصة—مع إصداره أوامر بنشر مجموعة ثانية من حاملات الطائرات في الشرق الأوسط.

 

وقال تقرير اقتصادي لبنك الكويت الوطني إن سوق النفط تتعرض لضغوط بسبب تشديد تطبيق العقوبات، في وقت تؤثر فيه إجراءات الإدارة الأمريكية بشكل غير مباشر على سوق النفط عبر سعيها لفرض رسوم ثانوية على مستوردي النفط الروسي والفنزويلي والإيراني الخاضع للعقوبات، مما يدفع المشترين للبحث عن خام بديل أعلى سعراً، وهو ما تسبب في تراكم كبير للمخزونات العائمة في البحر.

 

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن أكثر من ثلثي هذه المخزونات «179 مليون برميل» عبارة عن خام روسي وإيراني خاضع للعقوبات، وهو ما فاقم من سردية فائض المعروض التي هيمنت على أسواق النفط في 2025 وأدت إلى تراجع الأسعار للعام الثالث على التوالي بنسبة 19%، وهو أكبر انخفاض منذ جائحة «كوفيد-19»، حيث يُقدَّر أن علاوة المخاطر الجيوسياسية تتراوح حالياً بين 5 و7 دولارات للبرميل.

 

 

 

وأفاد تقرير بنك الكويت الوطني أن منحنى عقود برنت الآجلة يُظهر قوة توقعات المشاركين في السوق بخصوص مخاطر تقييد المعروض على المدى القصير، إذ ترتفع الأسعار القريبة بشكل يفوق الأسعار البعيدة، لكن بعد 17 شهراً تقريباً، يبدأ المنحنى في الارتفاع صعوداً —دلالة على سوق أكثر وفرة في المعروض وضعف في الطلب، مما يشجع على التخزين.

 

وفيما يخص مراكز المضاربين، اندفع المستثمرون مع تزايد المخاطر المرتبطة بإيران، نحو تغطية مراكز البيع القياسية التي بلغت 232 ألف عقد في منتصف ديسمبر، ليتحولوا إلى الرهانات على ارتفاع الأسعار. وارتفعت مراكز الشراء الصافية على خام برنت من 19، 409 عقد إلى 377، 371 عقداً في نهاية يناير، وهو أعلى مستوى في عشرة أشهر.

 

ونوه التقرير إلى أن زيادة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بإيران تعكس التوقعات القوية لدى مراقبي سوق النفط والمحللين الجيوسياسيين باحتمال اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات خلال الأسابيع المقبلة.

 

وبحسب Middle East Economic Survey (MEES)، فإن 14.5 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات، و3.8 ملايين برميل يومياً من المنتجات المكررة، وما لا يقل عن 77 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال، كلها عرضة للخطر في حال التصعيد، في حين يبلغ إنتاج إيران حالياً نحو 3.3 ملايين برميل يومياً، يُصدَّر منها نحو 1.5 مليون برميل يوميًا إلى الصين في مخالفة للعقوبات الأمريكية.

 

وقلّصت وكالة الطاقة الدولية في فبراير توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2026 بمقدار 80 ألف برميل يومياً إلى 850 ألف برميل يومياً، وذلك تماشياً مع تعديل صندوق النقد الدولي لتوقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 3.3% على أساس سنوي بدلاً من 3.1%، موضحة أن «حالة عدم اليقين الاقتصادي وارتفاع أسعار النفط» أثّرتا على مستويات الاستهلاك.

 

في المقابل، تتوقع منظمة الأوبك نمواً أقوى يبلغ 1.4 مليون برميل يومياً اعتماداً على تحسن الأساسيات الاقتصادية. وتتفق الوكالتان على أن اقتصادات الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ستبقى المحرك الأساسي لنمو الطلب، لكنهما تختلفان في النظرة تجاه مستوى نمو الطلب، إذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية تباطؤ الطلب على البنزين بشكل حاد بفعل انتشار المركبات الكهربائية، بينما تبقى منظمة الأوبك أكثر تفاؤلاً اعتماداً على استمرار الطلب على المركبات العاملة بالوقود الأحفوري في الدول النامية.

 

جدير بالذكر أن تقدير وكالة الطاقة الدولية لنمو الطلب على البنزين كان أقل من المتحقق بشكل متكرر بما في ذلك توقعها لوصول الطلب على البنزين لأعلى مستوياته في عام 2025 ضمن تقريرها السنوي بعنوان «Oil 2025» ويرى الطرفان أن المواد الأولية للبتروكيماويات ستبقى الدافع الرئيسي للنمو.

 

أما إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فتتوقع نمواً معتدلاً للطلب على النفط عند 1.1 مليون برميل يومياً عام 2026. وبالنظر إلى 2027، تتوقع كل من منظمة الأوبك وإدارة معلومات الطاقة نمواً يبلغ 1.3 مليون برميل يومياً بدعم من تحسن النشاط الاقتصادي العالمي.

 

الإمدادات: الأوبك+ تعلّق زيادات الإنتاج في الربع الأول من 2026 مع استمرار نمو الإنتاج من خارجها

وقررت مجموعة «أوبك-8» في الربع الأخير من عام 2025 إيقاف عملية التراجع عن تخفيضات الإنتاج طوال الربع الأول من عام 2026، مستندة إلى العوامل الموسمية المرتبطة بفصل الشتاء، وذلك بعد أن أعادت فقط 411 ألف برميل يومياً من الشريحة الثانية البالغة 1.65 مليون برميل يومياً من التخفيضات التي تعود إلى عام 2023.

 

هذا وستضطر الأسواق للانتظار حتى اجتماع مارس للحصول على توجيهات رسمية حول سياسة «أوبك-8» المستقبلية.

 

ومع تداول الأسعار حالياً قرب 67 دولاراً للبرميل، وهي مستويات أعلى مما كانت عليه في أوائل نوفمبر 2025 عندما أعلنت المجموعة نيتها إيقاف زيادات الإنتاج للربع الأول من عام 2026، فإن احتمال استئناف عملية التراجع عن التخفيضات بدءاً من أبريل يبدو قوياً.

 

ونقلت تقارير مؤخراً أن بعض منتجي «أوبك+» يرون وجود مساحة لرفع الإنتاج في ظل سوق تبدو أضيق مما تشير إليه البيانات، لأن الفائض الذي يراقبه السوق يتكوّن أغلبه من خام روسي وإيراني خاضع للعقوبات وغير متاح للتداول بشكل واسع.

 

وللحد من مخاوف فائض المعروض، يمكن لمجموعة «أوبك-8» استئناف زيادات الإنتاج بوتيرة شهرية أقل من مستوى 137 ألف برميل يومياً الذي تبنّته في الربع الرابع من 2025. وفي عام 2025، وبحسب مصادر «أوبك» الثانوية، ارتفع إنتاج «أوبك-8» بمقدار 2.4 مليون برميل يومياً بعد أن ألغت المجموعة الشريحة الأولى من التخفيضات الطوعية البالغة 2.2 مليون برميل يومياً من عام 2024، لكن هذه الزيادة جاءت أقل من 2.87 مليون برميل يومياً المقررة على الورق نتيجة مزيج من التخفيضات التعويضية، وانقطاع الإمدادات، وقيود الطاقة الإنتاجية.

 

ميزان السوق وتوقعات الأسعار: فائض أعلى محتمل.. لكن المخاطر الجيوسياسية تدعم الجانب الصعودي

ولا تزال أساسيات السوق تشير إلى مستوى أعلى من فائض المعروض مقارنة بعام 2025، ما قد يضغط على الأسعار في حال تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية، وفق التقرير.

 

ورغم احتمال حدوث تطورات سلبية على جانب الإمدادات نتيجة التوتر بين واشنطن وطهران، نتوقع أن تستأنف دول «أوبك-8» عملية التراجع عن تخفيضات الإنتاج اعتباراً من أبريل 2026 بحثاً عن مكاسب في الحجم والحصة السوقية، خاصة عند مستويات الأسعار الحالية.

 

وقالت بنك الكويت في تقريره: إنه على الرغم من توقعاته سوقاً أكثر وفرة في الإمدادات هذا العام، إلا أننا لا نتبنى تقديرات وكالة الطاقة الدولية لفائض يقارب 4 ملايين برميل يومياً، ونرجح أن يكون الطلب أقوى من المتوقع في اقتصادات الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وخاصة في الأسواق الناشئة، وأن تبقى زيادات الإنتاج الفعلية في إنتاج «أوبك+» أٌقل من المخطط لها بسبب مجموعة من العوامل تشمل قيود الطاقة الإنتاجية، وتعطل الإمدادات، والتخفيضات التعويضية، والعقوبات الدولية.

 

واختتم البنك: «كما تضيف التهديدات الأمريكية بفرض رسوم ثانوية ضغوطاً على المشترين لتقليل مشترياتهم من النفط الروسي والإيراني والفنزويلي، بما يدعم الأسعار، وتبقى المخاطر الصعودية الأكبر مرتبطة بإيران، مع حساسية الأسواق الشديدة لاحتمالات التصعيد، وقد تأتي المخاطر الهبوطية، من ناحية أخرى، من إمكانية إبرام اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا بوساطة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو عبر تسريع الاستثمارات التي قد تقود إلى زيادة أكبر من المتوقع في الإنتاج الفنزويلي، وهو سيناريو يرى معظم المحللين أنه أكثر واقعية على المدى المتوسط إلى الطويل».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *